بعد سنوات طويلة ظلّ فيها صوته حاضراً فيما بقيت ملامحه غائبة، خرج الناطق العسكري باسم كتائب القسام، الجناح المسلح لحركة “حماس”، إلى العلن لا بظهور إعلامي جديد، بل عبر إعلان مقتله، وفق ما أعلنته إسرائيل. اسمٌ ارتبط ببلاغات الحرب، وبيانات المواجهة، وصياغة الرواية المقابلة للاحتلال، تحوّل في لحظة إلى سيرة كاملة كُشف عنها بعد رحيله، كما حدث مع كثيرين من قادة المقاومة الذين عرفتهم الجماهير بأفعالهم قبل أن تعرف أسماءهم.
وُلد حذيفة سمير عبد الله الكحلوت، المعروف باسم “أبو عبيدة”، عام 1984 في المملكة العربية السعودية، حيث كانت تقيم عائلته المنحدرة من قرية نعليا قضاء عسقلان، إحدى القرى الفلسطينية التي دُمّرت عام 1948. عاد مع عائلته في طفولته إلى قطاع غزة، واستقر في مخيم جباليا شمال القطاع، حيث نشأ في بيئة اللجوء والحصار، قبل أن يلتحق بالجامعة الإسلامية في غزة ويدرس الشريعة وأصول الدين.
منذ بدايات ظهوره، امتلك أبو عبيدة أدوات خطابية لافتة، جمعت بين اللغة الدينية والسياسية والعسكرية، ما مكّنه من التحوّل تدريجياً إلى أحد أبرز الوجوه الإعلامية للمقاومة الفلسطينية. لم يكن مجرد ناقل للبيانات، بل بات جزءاً من المعركة النفسية والإعلامية مع إسرائيل، وصوتاً ثابتاً في أوقات التصعيد والحروب، خصوصاً منذ تعيينه ناطقاً رسمياً باسم كتائب القسام عام 2006.
برز حضوره بشكل واضح خلال الانتفاضة الثانية، ثم في معارك شمال غزة عام 2004، حيث ظهر للمرة الأولى في مؤتمر صحافي داخل أحد مساجد القطاع. ومنذ الإعلان عن أسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط عام 2006، مروراً بحرب 2014 والإعلان عن أسر الجندي شاؤول آرون، وحتى حرب غزة الأخيرة، ارتبط اسمه بالإعلانات العسكرية النوعية التي شكّلت تحدياً مباشراً للرواية الإسرائيلية.

في الحروب المتعاقبة على غزة، تولّى أبو عبيدة مهمة تفنيد بيانات الجيش الإسرائيلي، وتسليط الضوء على خسائره، واتهامه بارتكاب انتهاكات بحق المدنيين. وبالتوازي، عمل على توجيه رسائل سياسية ومعنوية إلى الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس والداخل، وإلى الرأي العام العربي والدولي، ما أكسبه حضوراً لافتاً حتى داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث كانت خطاباته تُتابَع وتُحلَّل على نطاق واسع.
ومع اندلاع عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، تصدّر أبو عبيدة المشهد الإعلامي مجدداً، معلناً ما وصفته كتائب القسام بإنجازات عسكرية واستخباراتية غير مسبوقة، وكاشفاً لاحقاً عن ملامح الخطة التي استهدفت مواقع “فرقة غزة” التابعة للجيش الإسرائيلي. خلال أشهر الحرب، واصل إصدار بياناته رغم الملاحقة المكثفة، ليصبح أحد أبرز الأصوات المرتبطة بالمواجهة الدائرة.
لم تخلُ خطاباته من لهجة نقدية حادة للأنظمة العربية والإسلامية والنخب السياسية والدينية، التي اعتبرها مقصّرة في نصرة غزة خلال الحرب، بالتوازي مع توجيه رسائل شكر للفصائل والجبهات التي شاركت في المواجهة خارج القطاع، والتأكيد على وحدة ما يُعرف بمحور المقاومة.
وأعلنت إسرائيل أن أبو عبيدة كان هدفاً مركزياً لها خلال الحرب، نظراً لما يمثّله من ثقل إعلامي ومعنوي. وفي 31 آب/أغسطس، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي اغتياله في غارة استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة، في إعلان لم يصدر بشأنه تأكيد مستقل من كتائب القسام في حينه.
برحيله، تحوّل أبو عبيدة من متحدث باسم فصيل مسلح إلى رمز إعلامي وسياسي ارتبط اسمه بمرحلة كاملة من الصراع، وبخطاب شكّل جزءاً من الذاكرة الجمعية الفلسطينية والعربية، سواء لدى مؤيديه أو خصومه.
من هو أبو عبيدة؟ (معلومات مختصرة)
-
الاسم الكامل: حذيفة سمير عبد الله الكحلوت
-
الاسم الحركي: أبو عبيدة
-
تاريخ الميلاد: 1984
-
العمر: نحو 39 عاماً (حتى عام 2023)
-
المكان: من أصول فلسطينية تعود لقرية نعليا – قضاء عسقلان
-
التعليم: ماجستير في أصول الدين – الجامعة الإسلامية بغزة
-
المنصب: الناطق الرسمي باسم كتائب القسام منذ عام 2006
زوجته وحياته الشخصية أبو عبيدة
لا تتوفر معلومات موثقة أو معلنة عن زوجته أو تفاصيل حياته العائلية، إذ حرص أبو عبيدة طوال سنوات نشاطه على إبقاء حياته الشخصية بعيدة تماماً عن الإعلام، لأسباب أمنية بحتة.

